الجمعة، 24 أبريل 2015

الاتفاق النووي الايراني وتداعياته الاستراتيجية على المنطقة

الاتفاق النووي الايراني وتداعياته الاستراتيجية على المنطقة 

بعد 12 عاما من الشد والجذب بشأن ملف ايران النووي، وتوصلت ايران والقوى العالمية  إلى "اتفاق الإطار" الذي يقضي بتعليق إيران أكثر من ثلثي قدرات التخصيب النووية لديها، ومراقبتها مدة عشر سنوات بعد توقيع الاتفاق النهائي في يونيو/حزيران المقبل، مقابل العمل على رفع العقوبات الغربية الاقتصادية وعقوبات مجلس الأمن المفروضة عليها، وذلك بعد مفاوضات طويلة في مدينة لوزان السويسرية.
ردود الفعل الغربية رحبت في معظمها بما تحقق، من دون أن يمنع هذا وجود تحفظات عليه في الولايات المتحدة وإسرائيل.
أما في إيران التي رأت في الاتفاق ضمانا لحقها في مواصلة تخصيب اليورانيوم، فقد واجه المحافظون ما تم بانتقادات، بلغت حد وصف الاتفاق بأن إيران قايضت بتوقيعه حصانها المسرج، "بحصان ذي لجام مكسور" مثلما قال شريعت مدار، مستشار المرشد الإيراني.
وبشأن انقسام الرأي السياسي في إيران نرى ان المحافظين في إيران وأميركا يعارضون الاتفاق كل حسب موقفه.وأن الشعب الإيراني يقف كله إلى جانب هذا الاتفاق ويحتفل به باعتباره متوازنا ويميل إلى صالح إيران، وأنه تضمن الحصول على اعتراف دولي بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، وأن العقوبات المفروضة على طهران ظالمة ويجب رفعها، مع الحفاظ على حق البلاد في تطوير برامج نووية في المستقبل.
في حين ان الخارجية الأميركية نفت أن الإيرانيين حصلوا على كل ما يريدون وستظل كل منشآتهم مفتوحة وترفع عنهم العقوبات، وأن الدول الأخرى توصلت إلى أنها تستطيع مراقبة تخصيب اليورانيوم بشكل صارم، الأمر الذي يجعل تصنيع سلاح نووي إيراني أمرا صعبا جدا قبل أقل من عام.
 وجائت آمال الرئيس الأميركي باراك اوباما في أن تعمل هذه الاتفاقية على حلحلة الأزمة دون أن يكون ذلك على حساب دول أخرى في المنطقة، وأكد أن التزام إيران بهذه الاتفاقية يجعلها غير قادرة على إنتاج سلاح نووي في المستقبل القريب.
 في حين ان بعض العرب يرون بان الاتفاق شهد إنجازات وتنازلات من الطرفين واستخدام سياسة العصا والجزرة، وأن المشروع النووي الإيراني يهدف لزيادة وزن إيران في المنطقة.
وأن العقوبات هي التي دفعت إيران إلى تقديم التنازلات، في حين اخر فإنه يجب الاشارة إلى الصراع بين المعتدلين الذين يقودهم وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف والمحافظين والحرس الثوري الذين يمكن أن يعبروا عن رفضهم للاتفاق، من جهة أخرى.
وان المجتمع العربي والخليجي بالذات يرون  أن موافقة إيران على أكثر أنظمة المراقبة التي تفرضها وكالة الطاقة النووية صرامة، من الانتصارات الكبيرة لإدارة الرئيس أوباما.
والاتفاق الذي يعطي إيران دوراً أفضل على المستوى الخارجي، ويعيدها للمسرح الدولي بوصفها دولة مقبولة في المنطقة بعد رفع العقوبات عنها، يجب أن يترافق مع التزامها بأداء دور إيجابي على الصعيد الإقليمي.
ويرى المعارضون السوريون ان على الاتفاق المذكور أن يرتبط بتعهد إيراني بالتوقف عن دعم "قوى الشر والتطرف والأنظمة التي تقتل شعوبها، وهو أمر يتناقض مع روح القانون الإنساني، وإلا فإن التقدم الذي أُعلن عنه في المباحثات بخصوص برنامج إيران النووي سيكون هشاً وغير قابل للحياة".
ولم يخفي العرب والمعارضة السورية تخوفهم من ازدياد دعم إيران للنظام السوري بعد رفع العقوبات عنها، وهو ما يمكن تجنبه بتعهد منها بدفع النظام لقبول حل سياسي، وفهمها أن دورها الإقليمي هو دور داعم للعملية السياسية وليس دوراً صانعاً للأزمات، وأن وقوفها لجانب النظام السوري يؤدي لخسارة كافة المكاسب التي حصلت عليها مؤخراً.
في حين ان البعض الاخر يرى أن إيران ستبدأ بعد الاتفاق بتغيير بعض سياساتها السابقة في المنطقة، وذلك "لحاجتها لإعادة تأهيل نفسها دولياً استعداداً لرفع العقوبات عنها".
ورغم استبعاد تأثير الاتفاق النووي على الوضع الميداني في سوريا، نيرى أن المرحلة القادمة ستشهد حراكاً دبلوماسياً من قبل دول إقليمية كمصر والسعودية وتركيا، مستغلة مستجدات الاتفاق للدفع باتجاه حل سياسي في سوريا.

اما في إسرائيل فتتضارب هذه الأيام التحليلات الإسرائيلية حول جدوى اتفاق الإطار المبرم بين الدول الكبرى وإيران بخصوص ملفها النووي؛ ففي حين ترى الحكومة الإسرائيلية بأن الاتفاق "سيىء" و"تهديد وجودي لإسرائيل"، يرى محللون سياسيون مثل باراك رابيد أن بنود الاتفاق تخدم مصلحة إسرائيل.
وبين هذا وذاك يتحدث المحلل العسكري عاموس هارئيل عن إيجابيات الاتفاق وسلبياته بالنسبة لإسرائيل؛ في تحليل نشرته صحيفة "هآرتس"، الأحد، لهارئيل، جاء فيه أن إيجابيات الاتفاق من وجهة النظر الإسرائيلية تكمن في نقطتين مهمتين؛ الأولى هي فرض رقابة مشددة على البرنامج النووي الإيراني لمدة لا تقل عن عشر سنوات، وخلال هذه الفترة الزمنية ستقل بشكل كبير احتمالات إنتاج إيران لأسلحة نووية.
إلى جانب ذلك بات واضح لدى الاسرائيليين أن محاولة إيران لخرق بنود الاتفاق ستعود عليها بأزمات كثيرة؛ منها الوقوع بالخلافات مجدداً مع المجتمع الدولي، في الوقت الذي ستشهد فيه قدراتها النووية تراجعاً كبيراً بحيث تحتاج وقتاً لتدارك الأمر، وهنا نذكر أن نظام المراقبة الذي يضمنه الاتفاق سوف يطيل المدة الزمنية التي تستطيع فيها إيران الانتهاء من إنتاج قنبلتها النووية (بعد خرق الاتفاق) من 3 شهور إلى عام.
من جهة أخرى تتلخص السلبيات، من وجهة النظر الإسرائيلية، بثلاث نقاط؛ أولاها قلق إسرائيل من انتعاش الاقتصاد الإيراني بوتيرة سريعة جداً، وهي التي امتصت ضربة قاضية ومزدوجة في السنوات الأخيرة بسبب العقوبات المفروضة عليها، وبسبب انخفاض أسعار النفط كذلك.
إضافة إلى ذلك، تتخوف إسرائيل من اكتساب إيران اعترافاً دولياً بها أولاً كدولة "عتبة نووية"، إلى جانب اعتراف الدول العظمى بها كقوة لها مكانتها في الشرق الأوسط، ويجب أخذ مصالحها بعين الاعتبار ابتداءً من توقيع الاتفاق، لكن، يجب أخذ كل المذكور سابقاً بشكل محدود؛ وذلك لأن الأطراف لم تتفق بعد على صيغة نهائية للاتفاق؛ إذ إنهم يختلفون على صيغةِ البنود التي تمت بلورتها ومعانِيها حتى الآن.
وفي هذا السياق فإن أجهزة الدعاية التابعة للإدارة الأمريكية وللحكومة الإيرانية تعمل على قدم وساق لتسويق الانتصار لكل من الشعب الأمريكي والكونغرس من جهة، وللمعارضين للاتفاق في إيران وللشعب الإيراني، في حين أن كلاً من الطرفين يدعي أنه انتصر على الآخر وحقق هدفه من المحادثات، وأن بنود الاتفاق تخدم مصالحه وتمثل تنازلاً من الطرف الآخر.
وهنا يقول هارئيل إن على الحكومة الإسرائيلية أيضاً دراسة خياراتها بشأن موقفها من الاتفاق، ويذكر 3 خيارات؛ الأول هو أن تستمر الحكومة بقيادة بنيامين نتنياهو في إبداء الاعتراضات على الاتفاق ورفضه، وتعميق الأزمة مع الإدارة الأمريكية لهذا السبب، وهو أمر غير مجد لأنه لم يؤت ثماره خلال الأشهر الأخيرة.
ثانياً، يمكن لنتنياهو أن يدخل في مواجهة سياسية مفتوحة مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وأن يحاول التأثير على مكانته في الولايات المتحدة وتقويض موقفه من الاتفاق أمام الكونغرس، لكن هذا الخيار – بحسب هارئيل- محفوف بالمخاطر المخفية.
وفي هذا السياق نرى أن إسرائيل قد تدفع ثمن هذه المواجهة غالياً للجانب الفلسطيني، الذي يحظى بتنسيق عالٍ مؤخراً مع الإدارة الأمريكية، والذي نجح في الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية، وهذا قد يجعل أوباما يتخذ قرارات أقل تسامحاً مع إسرائيل، خاصة في الربع الأخير من ولايته الحالية، إلى جانب ذلك سيضعف التنسيق الإسرائيلي-الأمريكي أكثر فأكثر خلال جولة الجلسة القادمة، وقد تفقد إسرائيل فرصتها بجعل الاتفاق أقل ضرراً لها.
وهناك خيار ثالث أمام نتنياهو، والذي اختاره قادة إسرائيليون سابقون في ظروف مشابهة، لكنه لم يدرس بجدية حتى الآن. هذا الخيار هو استغلال الانزعاج الأمريكي في ضوء المزاعم الإسرائيلية بخلو بنود الاتفاق مع إيران من ضمانات أمن إسرائيل، ويكون ذلك عن طريق تعزيز العلاقات الاستخباراتية مع الولايات المتحدة، وزيادة الدعم الأمني الأمريكي لإسرائيل.
وفي هذا السياق يذكّر هارئيل بما فعلته الإدارة الأمريكية بقيادة جورج بوش، وبقيادة أوباما خلال فترة ولايته الأولى، عندما منحت الولايات المتحدة إسرائيل دعماً أمنياً كبيراً؛ إذ أرسلت لها رادارات بعيدة المدى، وموّلت الخطة الموسعة لتطوير منظومة الدفاع الصاروخي (القبة الحديدية والعصا السحرية وصاروخ السهم)، مقابل ضبط النفس الإسرائيلي بخصوص إيران.

المراجع:
وكالة سما الإخبارية:  samanews.com/ar/index.php?act=post&id=233031
موقع قناة الجزيرة الخبارية: http://www.aljazeera.net/news/international
المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط: http://ncmes.org/ar/events/169
موقع جريدة هارتس بالانجليزية: http://www.haaretz.com