في خطوة غير مسبوقة منذ تفاقم خطر الجماعات المسلحة في المغرب العربي اتفقت ثلاث عواصم على تعزيز التعاون العسكري بينها والانتقال إلى تشكيل قيادة مشتركة جزائرية تونسية وجزائرية ليبية لملاحقة الجماعات المسلحة وتبادل المعلومات. وقررت الجزائر وتونس تشكيل قيادة مشتركة تتولى مراقبة تحرك العناصر المنتمية إلى تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي" وجماعة "أنصار الشريعة" المتشددة عبر الحدود. وبموجب الاتفاق سيتم تبادل المعلومات في هذا الشأن وملاحقة العناصر المتسللة من ليبيا إلى تونس والجزائر، لكن من دون أن تشمل الملاحقة اجتياز حدود البلد المجاور.
وكانت الجزائر وليبيا اتفقتا مطلع العام الجاري على تسيير وحدات مشتركة مزودة بخرائط على طول الحدود المشتركة بينهما، وأفيد أن ذلك الاتفاق يرمي لتضييق الخناق على الجماعات المسلحة وفي مقدمها زعيم "كتيبة الموقعين بالدماء" مختار بلمختار الذي تعتقد أجهزة الاستخبارات المغاربية أنه موجود في الصحراء الليبية.
ولا يستبعد محللون عسكريون أن تكون الاتفاقات الجزائرية الأخيرة مع تونس وقبلها الاتفاقات المماثلة مع ليبيا مقدمة لعمليات تمشيط كبرى على الحدود المشتركة أسوة بالعملية الواسعة التي تنفذها القوات التونسية حاليا في جبل الشعانبي (وسط) حيث تتحصن عناصر مسلحة يُعتقد أنها تنتمي لجماعة "أنصار الشريعة" المحظورة. وكان أكثر من ألفي عسكري جزائري شاركوا في مثل هذه الفترة من العام الماضي في عملية تمشيط واسعة شملت الولايتين الثالثة والرابعة وهما تقعان في صحراء رملية شاسعة تتجاوز مساحتها 400 ألف كيلومتر مربعا. وركزت القوات على منطقة "عرق الشاش" المحاذي للحدود مع مالي بالنظر لكونه يشكل أحد المعابر الرئيسة للمسلحين نحو الداخل الجزائري. غير أن التركيز سيتم هذا العام في حال إطلاق عملية تمشيط جديدة على مثلث الحدود التونسية الجزائرية الليبية بحسب محللين عسكريين. وعادة ما تطلب القوات المسلحة من عناصر القبائل التي تقيم في تلك المناطق الصحراوية الامتناع عن استخدام السيارات رباعية الدفع أثناء قيام الجيش بعملياته خوفا على حياة السكان المدنيين. وتعتمد القوات النظامية على أدلاء صحراويين وخبراء في اقتفاء الأثر بالاضافة للخرائط لكشف النقاب عن تحركات العناصر المسلحة ومعرفة مخابيء الأسلحة التي يستخدمونها.
وقال محللون عسكريون إن الجماعات تملك أسلحة ووسائل اتصال متطورة وهي تستقل سيارات رباعية الدفع مجهزة بأحدث التجهيزات. واضطرت الجيوش النظامية لمعاودة النظر بوسائل عملها وتجديد تجهيزاتها للإستمرار بحربها على الجماعات سريعة الحركة والتي أظهرت معرف دقيقة بالمناطق الجبلية والصحراوية على طول المثلث التونسي الجزائري الليبي.
وفي هذا الإطار تعتزم تونس شراء ست مروحيات لنقل الجنود من طراز "كاراكيل إي سي 725" (Caracal EC725) من فرنسا بغية تكثيف الهجمات على الجماعات السلفية المتسللة من ليبيا. وكان وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس ناقش تفاصيل هذه الصفقة مع المسؤولين التونسيين خلال زيارته الأخيرة لتونس، وكان مرفوقا بوزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير. ويسعى الفرنسيون والألمان لتقديم الدعم للحكومة التونسية في حربها على الجماعات المسلحة التي تمركزت في جبل الشعانبي القريب من الحدود المشتركة مع الجزائر.
واستكمل الجانبان تفاصيل الصفقة، التي قدرت بـ420 مليون دولار، خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الحكومة التونسية مهدي جمعة لباريس أواخر الشهر الماضي. وأضافت المصادر أن الاتفاق مع باريس طوى صفقة مماثلة كانت الولايات المتحدة عرضتها على تونس وتقضي بتزويدها بمروحيات أميركية الصنع من طراز "بلاك هاوك" (Black Hawks) لملاحقة المسلحين المتحصنين في المرتفعات المحاذية للحدود مع الجزائر. ولوحظ ارتفاع في موازنة وزارة الدفاع التونسية هذا العام عزاها خبراء إلى تزايد نفقات الحملة العسكرية المستمرة منذ العام الماضي على المتشددين الآتين من ليبيا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق