ما زال دخول عشرات الاسرائيليين إلى تونس لزيارة كنيس "الغريبة" في جزيرة جربة (جنوب) يُثير موجات متلاحقة من ردود الفعل في المستويين الرسمي والشعبي. واعتاد آلاف من اليهود الآتين أساسا من فرنسا وإيطاليا على أداء الطقس اليهودي المعروف بـ"الزيارة" في شهر أيار من كل عام منذ التوقيع على اتفاقات واشنطن الفلسطينية الاسرائليلية في 1993. ويُعتبر كنيس "الغريبة" أقدم معلم يهودي في أفريقيا إذ أنشئ قبل أكثر من ألف وخمس مئة سنة حسب الأساطير الشفوية المتداولة، ويعده اليهود أحد أماكنهم المقدسة، وهو يقع في قلب الحيين اليهوديين القديمين في جزيرة جربة، الحارة الكبيرة والحارة الصغيرة (حوالي 1500 يهودي).
وتزايد عدد المشاركين في "الزيارة" السنوية سنة بعد أخرى إلى أن وصل إلى أربعة آلاف زائر قبل أن يتراجع مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في السنة ألفين وفي أعقاب إغلاق مكتب الاتصال الاسرائيلي في تونس ومكتب الاتصال التونسي في تل أبيب اللذين أمر الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي بفتحهما سنة 1996.
وفيما كان حاملو الجنسية المزدوجة من فرنسيين وإيطاليين واسبان يستخدمون جوازات غير اسرائيلية لدى زيارة جربة، لوحظ أن عدد "الزوار" الاسرائيليين ارتفع تدريجا إلى أن وصل إلى 500 شخص، وتكفلت شركة الطيران الخاصة "كرتاغو" التي كان يملكها بلحسن الطرابلسي صهر بن علي نقل الاسرائيليين من تل أبيب إلى جربة.
لكن طقوس "الزيارة" توقفت في أعقاب الثورة التي أطاحت بن علي في مطلع 2011، إذ أمرت هيئة مكافحة الإرهاب الاسرائيلية يهود العالم بالامتناع عن زيارة "الغريبة" في شهر أيار (مايو) من ذلك العام، بدعوى الخشية عليهم من تعرضهم لاعتداءات انتقاما لاغتيال زعيم "القاعدة" أسامة بن لادن. واستؤنفت الزيارات في شكل خفر خلال السنتين الماضيتين وإن لم يتجاوز العدد بضعة مئات، غير أن جدلا حاميا اندلع في الأيام الأخيرة بين إحدى الكتل البرلمانية المعارضة والحكومة الانتقالية التي يقودها مهدي جمعة بعد الكشف عن السماح لواحد وستين اسرائيليا بدخول البلد بجوازاتهم الاسرائيلية استعدادا للمشاركة في "زيارة" الغريبة.
وطلب نواب كتلة "وفاء" المنشقين عن حزب "المؤتمر"، الذي أسسه الرئيس الانتقالي منصف المرزوقي، مساءلة وزيرة السياحة آمال كربول ووزير الأمن رضا صفر أمام أعضاء "المجلس التأسيسي" (برلمان انتقالي)، إلا أن رئيس الحكومة مهدي جمعة قلل من خطورة العملية وحذر من تداعياتها على الموسم السياحي الذي يُقال إن مصيره مرهون بأيدي أصحاب مكاتب السفريات الاسرائيليين في أوروبا. ورأى نواب في "التأسيسي" أن "قرع طبول التهويل والتخويف من الوضع الاقتصادي (يُشكل) مقدمة لإقناع الشعب بأن الحل في القبول بالسياح الاسرائليين". وانضم نواب "المؤتمر" إلى طلب المساءلة مُعتبرين أن السماح بدخول سياح اسرائيليين شكلا من أشكال التطبيع مع الدولة العبرية.
في المقابل رأى نواب يساريون في المجلس أن موقف الكتلتين اللتين حملتا على وزيري السياحة والأمن يندرج في إطار "المزايدات السياسية" للضغط على حكومة التكنوقراط التي اعترضا على تشكيلها، مُستدلين بأن أعضاء الكتلتين رفضوا تجريم التطبيع مع اسرائيل لدى كتابة الدستور الجديد العام الماضي. والأرجح أن وصول مئات من الزوار اليهود إلى جزيرة جربة أواسط الشهر المقبل ستثير مزيدا من التجاذبات بين اعضاء "التأسيسي" وخارجه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق